مسرحية «دنيا» لندى أبو فرحات: حين تبحث الأم عن ذاتها بين الحب والتضحية

 

بين ما تمنحه المرأة للآخرين وما تحتفظ به لنفسها، تولد حكاية «دنيا»، المسرحية الجديدة من بطولة ندى أبو فرحات، التي تضع الأمومة والحب والتضحية وتحقيق الذات في مواجهة واحدة، وتطرح سؤالًا إنسانيًا يتجاوز الخشبة: ماذا يبقى من المرأة حين تقضي سنواتها وهي تضع الآخرين قبل نفسها؟

من 16 إلى 27 أيلول 2026، تستضيف خشبة مسرح دوار الشمس في الطيونة – بيروت عروض مسرحية «دنيا»، من تأليف وإخراج زياد نجار، على أن ينتقل العمل لاحقًا إلى مسارح أخرى.

«دنيا»… امرأة بين الأمومة واكتشاف الذات

تقف «دنيا» أمام مرحلة مفصلية في حياتها. امرأة أمضت سنوات وهي تمنح وقتها واهتمامها للآخرين، وفي مقدمتهم ابنتها، لتجد نفسها فجأة أمام سؤال طال تأجيله: ماذا تريد هي؟

بصفتها أمًا عازبة تحمل مسؤولية ابنتها بمفردها، اعتادت «دنيا» أن تكون الأم والحاضنة والسند. لكن بلوغ ابنتها الثامنة عشرة وقرارها الانطلاق نحو حياة أكثر استقلالًا يضع الأم أمام فراغ لم تعرف كيف تتعامل معه.

للمرة الأولى، يصبح عليها أن تنظر إلى حياتها بعيدًا من دور الأم، وأن تستعيد أحلامًا مؤجلة وحياة شخصية كادت تختفي خلف المسؤوليات اليومية.

لكن استعادة الذات ليست طريقًا سهلًا.

فكلما حاولت «دنيا» الاقتراب من نفسها واكتشاف رغباتها، تعود غريزة الأمومة لتفرض حضورها، فتجد نفسها في مواجهة صراع داخلي بين حاجتها إلى أن تعيش حياتها وبين خوفها من أن يبدو هذا الاختيار وكأنه ابتعاد عمّن تحب.

هل يمكن للأم أن تختار نفسها من دون أن تشعر بالذنب؟

لا تقدّم مسرحية «دنيا» إجابات جاهزة، بقدر ما تفتح مجموعة من الأسئلة حول صورة المرأة والأم في المجتمع.

هل تستطيع المرأة أن تحب نفسها من دون أن تُتهم بالأنانية؟ وهل يمكن للأم أن تحقق ذاتها من دون أن تشعر بالذنب تجاه أبنائها؟ وأين ينتهي واجب التضحية، وأين يبدأ الحق في الحياة الشخصية؟

من خلال شخصية «دنيا»، تقترب المسرحية من منطقة إنسانية تعيشها نساء كثيرات، حيث تصبح الحدود بين الحب والتضحية، وبين المسؤولية وفقدان الذات، شديدة الالتباس.

الموسيقى الحية جزء من الحكاية

تكتسب التجربة المسرحية بعدًا إضافيًا من خلال الموسيقى الحية التي يعزفها زياد نجار مباشرة على الخشبة.

فالموسيقى هنا ليست مجرد خلفية للعرض، بل عنصر درامي يرافق الحالة النفسية لـ«دنيا» وتحولاتها، ويتنقل معها بين الفرح والانكسار، القوة والهشاشة، الرغبة في التحرر والحنين إلى ما مضى.

وبهذا، تتداخل الكلمة والأداء والموسيقى لتشكّل عالمًا داخليًا يعكس التحولات التي تمر بها الشخصية.

«دنيا»… اسم يختصر الحياة

لا يأتي اختيار اسم «دنيا» اعتباطيًا. فالاسم لا يشير فقط إلى بطلة المسرحية، بل يحمل دلالة أوسع تحيل إلى الحياة بكل ما فيها من تناقضات: أفراح وخيبات، بدايات ونهايات، أشياء تمنحها للإنسان وأخرى تنتزعها منه.

ومن هذه الزاوية، تصبح رحلة «دنيا» رحلة بحث عن معنى الحياة الشخصية بعد سنوات من تكريس الذات للآخرين.

من المسرح إلى قصص أمهات حقيقيات

ويكتسب العرض بُعدًا اجتماعيًا خاصًا في 24 أيلول، خلال أمسية تنظمها أسرة المسرحية بالتعاون مع جمعية Fifty-Fifty، وتسلّط الضوء على تجارب الأمهات العازبات وقصص نساء استطعن تحويل ظروف صعبة ومسؤوليات ثقيلة إلى مساحة للنجاح وتحقيق الذات.

هنا تخرج «دنيا» من حدود الشخصية المسرحية لتلتقي بنساء حقيقيات، وبحكايات تشبهها أو تتقاطع معها في بعض تفاصيلها

امرأة تحاول ألّا تفقد نفسها

في النهاية، لا تسعى «دنيا» إلى تقديم نموذج مثالي للمرأة أو الأم، ولا تضع خياراتها في خانة الصواب والخطأ. إنها تقترب من المرأة كما هي: تحب، تضحي، تخطئ، تتردد، تشتاق، وتبحث عن مساحة خاصة بها.

وربما لهذا السبب تبدو «دنيا» أكبر من حكاية امرأة واحدة.

فداخل كثير من النساء قد تعيش «دنيا» صغيرة؛ امرأة تعطي من قلبها، تحمل مسؤولياتها، تحاول أن تحمي من تحب، وفي الوقت نفسه تبحث عن حق بسيط وأساسي: أن تتذكر نفسهاأيضًا

   هناء بلال