بعد أكثر من ٦٥ عامًا على صدور فيلم الرعب الشهير «سايكو» (Psycho) للمخرج ألفريد هيتشكوك عام ١٩٦٠، لا تزال موسيقاه التصويرية واحدة من أبرز العناصر التي صنعت مكانته في تاريخ السينما. فقد نجح المؤلف الموسيقي برنارد هيرمان في تحويل الألحان إلى أداة نفسية تزرع الخوف والتوتر في نفوس المشاهدين.
موسيقى صنعت الرعب
يُعدّ مشهد الاستحمام الشهير، الذي تتعرض خلاله شخصية ماريون كرين، وتجسدها جانيت لي، لهجوم غامض، أحد أكثر المشاهد تأثيرًا في تاريخ السينما.
ولعبت موسيقى هيرمان دورًا حاسمًا في نجاحه، إذ استخدم أصوات الكمان الحادة والمتصاعدة لمحاكاة الصرخات وإثارة الرعب.
والمثير أن هيتشكوك لم يكن يرغب في البداية بإضافة موسيقى إلى هذا المشهد. لكن هيرمان أقنعه بمشاهدة النسخة المصحوبة بالموسيقى، ليغيّر المخرج رأيه فورًا ويوافق على اعتمادها.
واعتمد هيرمان على أوركسترا تضم ٥٠ عازفًا من الآلات الوترية فقط، بهدف ابتكار صوت قاتم يتناسب مع التصوير بالأبيض والأسود.
من «سايكو» إلى أشهر أفلام هوليوود
لم يقتصر تأثير موسيقى «سايكو» على أفلام الرعب، بل امتد إلى أعمال سينمائية وموسيقية شهيرة.
فقد استلهم المؤلف جون ويليامز بعض عناصر موسيقى فيلم «الفك المفترس» (Jaws) من أسلوب هيرمان، خصوصًا النغمات التي توحي باقتراب الخطر.
كذلك تأثر المنتج الموسيقي جورج مارتن بموسيقى «سايكو» أثناء إعداد التوزيع الوتري لأغنية «إلينور ريغبي» لفرقة البيتلز عام ١٩٦٦.
ووصل تأثير هيرمان إلى موسيقى الهيب هوب، إذ استُخدمت مقاطع مستوحاة من ألحانه في أعمال عدة، أبرزها أغنية «Gimme Some More» للمغني بوستا رايمز عام ١٩٩٨.
علاقة إبداعية انتهت بالخلاف
تعاون هيتشكوك وهيرمان في مجموعة من الأفلام البارزة، بينها «فيرتيغو» (Vertigo) و«نورث باي نورث ويست» (North by Northwest).
لكن علاقتهما المهنية انتهت عام ١٩٦٦، خلال العمل على فيلم «الستار الممزق» (Torn Curtain)، بعدما رفض هيرمان تنفيذ رغبة المخرج في تقديم موسيقى أقرب إلى الأسلوب الشعبي.
ورغم ذلك، واصل المؤلف الموسيقي مسيرته، وترك بصمة مميزة في فيلم «سائق التاكسي» (Taxi Driver) للمخرج مارتن سكورسيزي، الذي صدر عام ١٩٧٦، بعد وفاة هيرمان في كانون الأول ١٩٧٥.
إرث موسيقي يتجاوز الزمن
حقق فيلم «سايكو» نجاحًا تجاريًا كبيرًا، إذ بلغت إيراداته نحو ٣٢ مليون دولار، مقابل ميزانية لم تتجاوز ٨٠٠ ألف دولار.
لكن إرثه الحقيقي تجاوز شباك التذاكر، بعدما أثبت أن الموسيقى التصويرية ليست مجرد خلفية للمشاهد، بل عنصر أساسي في صناعة التشويق والتأثير العاطفي.
وبعد عقود طويلة، لا تزال أصوات الكمان الحادة في «سايكو» رمزًا للرعب السينمائي، ودليلًا على قدرة الموسيقى على منح الصورة حياة جديدة.
المصدر: موقع «بي بي سي» (BBC)، مقال للكاتب توماس هوبز


